:: NEW SUDAN ::  

لن تموت الثورة بموتك يا ابو إثار

جدل الهوية وحكاية عروبة السودان

 الجبهة الثورية السودانية_ تحالف كاودا

راديو دبنقا
قائمة الشرفاء...بمنبر السودان الجديد...مناصري المحكمه الجنائيه!!

 

 

فريق حماية السودان الجديد

فريق حماية السودان الجديد

فريق حماية السودان الجديد

مدونة كورة وفنون







ابحث

تحديث المنتدى

قوانين ولوائح المنبر


المكتبة الغنائية

تحميل الصور

كي بورد عربي


القصص والروايات

المكتبة العلمية

منبر قضايا العالم

إذاعة مرايا إف إم

قنوات سودانية مباشرة

"فكر السودان الجديد"


" شبكة الأمن والحماية "

إعلانات ||

.... "

العودة   :: NEW SUDAN :: > ::مكتبة السودان الجديد::
التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة

الإهداءات

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 03-31-2009, 12:07 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
Junior Member
 
الصورة الرمزية لوممبا
 

 

 
افتراضي العلمانية السودانية

العلمانية
إدارة التنوع المعاصر و بناء الأمة السودانية

ابراهيم خاطر مهدي (لوممبا)
الخرطوم/نوفمبر2008م

مدخل :
من الملاحظ بشكل عام في تناول (العلمانية) أن هناك كثير من المغالطات الفضفاضة حول تعريف ومفهوم العلمانية لكنها ركزت وبشكل مبتزل علي التعريف ، ويرجع هذا الإبتزال لمفهوم العلمانية والسياق التاريخي لنشأتها وتطبيقاتها في كثير من بلدان العالم في الوقت الراهن رغم المحاولات الجريئة والجادة التي قدمها بعض المخلصين من الكتاب والمفكرين السودانيين ، الي أسباب بعينها ، ومن تلك الأسباب : محاولات الجماعات السلفية لتشويه مفهوم ومضمون العلمانية بغرض إخفاء الحوجة إليها في تقديم حلول حول كيفية إدارة التنوع في السودان وتحديداً (التنوع الديني) ، و تواطؤ مثقفي المركز الذين لا يؤمنون بنموزج الوحدة في التنوع مع تلك المحاولات الكسيحه. وحتي لا نقع في مثل تلك المغالطات الخاوية نترك مسألة التعريفات جانباً ، ونركز علي مفهوم العلمانية بالقدر الذي يمكننا من إدارة التنوع المعاصر في السودان ، وهذا يعني أننا نتحدث عن (( العلمانية السودانية )) بعد تحليل دقيق لجوهر الصراع (الديني /والطائفي / والمذهبي) في السودان . ويرجع هذا الإختصار المفهومي لسببين أساسيين:
السبب الأول :
إعتياد الكثير من المثقفين السودانيين علي تناول العلمانية خارج إطار الأسباب والظروف الموضوعية والحقائق العلمية الموجودة في السودان مثل (عدم المقدرة علي التعايش السلمي عبر إدارة التنوع الموجود) .
السبب الثاني :
أننا في الحركة الشعبية لتحرير السودان ننطلق من حقيقة بسيطه هي : (غالبية الشعب المهمش الذي يعنيه خطاب السودان الجديد ، لم تتوفر له حظوظ كبيره في التعليم وتلقي المعرفة الإنسانية) ، لذلك ركزنا علي (تبسيط التبسيط) بغرض نقل مبادي وأفكار وأهداف ووسائل الحركة الشعبية في تحقيق السودان الجديد .

التنوع المعاصر:
التعدد الديني هو أحد أوجه (التنوع المعاصر) وهذا التنوع المعاصر هو أحد المرتكزات الفكرية لمشروع السودان الجديد ، وهناك حقيقة لا ينكرها أحد هي : أن كل الشعب السوداني شعب متدين ، ولدينا أديان مختلفة ، فهناك المسلمون والمسيحيون وأصحاب كريم المعتقدات الأفريقية . أما مفهوم الإله الواحد فهو شائع بغض النظر عن دين الفرد – فالدينكا مثلاً ، يؤمنون بإله واحد يسمونه (نيالنج) ، ويشيع مفهوم الإله الواحد أيضاً وسط كل القبائل الأخري في جنوب السودان ، وبنفس القدر نجد مفهوم الإله الواحد في المعتقدات الأفريقية في جبال النوبة وجبال الأنقسنا (علي سبيل المثال) وما يصاحب هذه المعتقدات الافريقية من طقوس روحية خاصة بالأفراد والجماعات تتم ممارستها حتي الآن ، معروفة بإسم (الأسبار) مثل (سبر اللوبيا / سبر الجيل ، ... الخ) ، كما نجد مفهوم الإله الواحد في الديانات التبشيرية (الإسلام / والمسيحية) . ونطرح سؤال يدلنا لجذور المشكلة التي تمثل العلمانية وفقاً لطرح الحركة الشعبية (حلاً جذرياً) لها . وهذا السؤال هو : (هل هؤلاء المتدينين لهم الحق في إختيار وممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية بحرية تامة دون تدخل من احد ودون نقصان حق أحد ، وتعاملهم الدولة كمواطنين سودانيين متساويين في الحقوق الدينية دون تحيز أو عنصرية أو تفرقة علي أساس الدين أو الطائفة أو المذهب ؟؟؟) ، فإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال هي : أن لهؤلاء المتدينين الحق والحرية الكاملة في إختيار وممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية الروحية دون تدخل من أحد بما في ذلك أجهزة الدولة ، ويكون كل هؤلاء (مواطنين) متساويين في الحقوق والواجبات ، فهذا هو معني (العلمانية) التي ننادي بها ونعرفها بشكل أولي بأنها : (مشروع حل إنساني لإدارة التنوع المعاصر في السودان) . لكن ... !!! ، إذا كانت الإجابة هي : (لأ ، بمعني ليس لهؤلاء الحقوق الدينية المذكورة أعلاه) ، فهذه هي المشكلة.

جذور ظاهرة القهر والإضطهاد الديني :
لم يكن الدين في تاريخ المجتمعات الإنسانية منذ فجر التاريخ مشكلة في حد ذاته ، بل كان حلاًً جذرياً لمشاكل الإنسانية في التاريخ بما يقدمه من إجابات حاسمه وقاطعة لمسألة (المصير الأخروي بعد الموت) ، لأن الإنسان منذ أن بدأ يفكر في بعض الأسئله مثل (( أنا منو ، وجيت من وين ، وما شي علي وين ، ومصيري شنو وغيرها من مثل هذه الأسئله)) إعتنق الأديان ، بإعتبارها هي وحدها التي تجاوب علي تلك الأسئله المتعلقة بمصير الإنسان قبل وبعد الموت . وبما أن الدين هو في الأساس (مشروع خلاص لروح الفرد) ، فهذا يعني أن لهذا الفرد الحق في إختيار هذا المشروع من جملة المشاريع الدينية المطروحة في الساحة ، وهذا الإختيار مربوط بالقناعة التامة للفرد (المعني) بأن هذا الدين الذي إرتضاه لنفسه يمثل له (الحقيقة) التي تضمن له السعادة في (الدينا) وتجنيه العزاب في (الآخرة) . وبهذا التحليل نجد أن الأصل في الدين أنه لم يكن فكرة لشقاء وعزاب وإيلام الناس بل كان (الفائدة في حدودها القصوي) . لكن ! ، ما ظهر لاحقاً من تصوير الأديان بأنها: (مصدر للشقاء وإنتاج الآلآم علي مستوي الإنسانية) ، لم يكن ناجماً أو ناتجاً من طبيعة تلك الأديان نفسها سواءً كانت (مسيحية /أو إسلامية) بل كان ناجماً وناتجاً من طبيعة فهم الناس لتلك الأديان وما يفهمونه هم عنها ، وليس ما أنزله (الرب / الإله / الله) في جوهر ومضمون تلك الأديان ، وعن طبيعة فهم و إدراك مجموعة من الناس في فترات زمانية متفاوتة ومختلفة أن موضوع الدين بما فيه من حساسية وخطورة ، وبما فيه من إرتباط مباشر بمصير الإنسان بعد الموت – فما كان من هؤلاء إلا أن يحولوا ، ويحوروا فهم الدين الي إستثمارات مربحة وإستغلال سئ يتنافي مع جوهر تلك الأديان ، مستغلين هذه الحساسية في نفسية الإنسان ، لصياغة الكثير من مشاريع (الإحتيال / و التلصص / وسرقة حقوق ومجهودات الآخرين دون وجه حق) ، بإسم الدين ومن ثم إخضاع المتدينين لسيطرتهم و إستثماراتهم عن طريق تأجيج النزعات الدينية . وكما ذكرنا بأن، الدين: (هو مشروع خلاص فردي قائم علي القناعة والحرية في الإختيار ومسؤليته هي مسؤلية فردية يتساءل عنها المتعبد به أمام خالقه بعد الموت) وما زلنا نؤكد بأنه وفقاً لهذا الفهم للدين لم تكن هناك أي مشكلة ، لكن، تظهر المشكلة عندما تظهر قناعة ما داخل مجموعة من المتدينين بدين محدد أو طائفة محددة ، بأن ما يعتقدون فيه يمثل الدين الصحيح وبالتالي يمثل الله ، وما يعتقد فيه الآخرون يمثل ضلالاً وشركاً وكفراً . وعن طريق ممارسة مثل هذه القناعات الفردية أو الجماعية ، تظهر المشكلة وتتفاقم إذا لم تجد الحل الشامل ويتهدد السلم الإجتماعي والإستقرار وتسود مفاهيم القهر والإضطهاد والإرهاب الديني .

صراع المسلمين ضد المسلمين في السودان :
وفقاً للشروحات التي قدمناها يحدثنا الواقع السوداني بأن الدين الإسلامي نفسة لم يسلم من هذا النوع من الصراعات المتعلقة بالإضطهاد الديني الطائفي المذهبي، ومثال لذلك ما حدث من صراعات دموية علي أمر تاريخ الدويلات والمجتمعات الإسلامية الي أن إمتدت جذور تلك الصراعات الدموية الي المذاهب والطوائف الإسلامية في السودان وأشهرها (الصراع الدموي الذي دار بين السلفيين أنفسهم (جماعة أنصار السنة / و جماعة التكفير والهجرة) . وأيضاً الصراع الذي يصل حد التكفير وسحب المشروعية الدينية بين (السلفيين / و المتصوفة) في السودان . ونوضح هذه الجزئية الأخيرة بمقولة " أبو زيد محمد حمزة " أحد شيوخ الجماعات السلفية ينتمي الي جماعة أنصار السنة , حيث يقول، عندما حاوره (عبدالمنعم شيخ إدريس) مجلة الدستور العدد(36) من 2-8 سبتمبر2000م ،ص16. عن الاشياء التي يتفق فيها (أنصار السنة) و(المتصوفة) فيقول (أبوزيد) : (والله لانتفق معهم في أي شئ) ، وعندما ضايقه المحاور بالأسئلة ألستم مسلمين معاً؟). أبوزيد يجيب(لا إله إلا الله) أيضاً لسنا متفقين فيها وفهمي أنا (يقصد نفسه أبوزيد) لـ(لا إله إلا الله) يختلف عن فهمهم (المقصود بالضمير (هم) الصوفية).
وعندما سأله عن الكيفية التي تجعلهم يختلفون مع (المتصوفة) في كلمة الشهادة عند المسلمين ، كان رده علي السؤال ينطلق من قناعاته الفرديه وفهمه هو وجماعته للدين الإسلامي (بأن مضمون كلمة ، لا إله إلا الله) حسب الفهم السلفي هو توحيد العبودية لله ، وأن هؤلاء الناس (المتصوفة) لم يوحدوا العبودية لله بل أشركوا معه آخرين من خلال التوسل بالأولياء والتبرك بهم وإقامة الأضرحة لهم وزيارتها والطواف حولها . ولذلك يصبح (المتصوفة) بمنظور جماعة (أنصار السنة) بأنهم أعادوا الوثنية للإسلام وأشركوا بالله وبالتالي لا تجمعهم حتي كلمة (لاإله الا الله) . وإذا سألنا سؤال ينطلق من حقائق الواقع السوداني القائلة بأن هذا التصوف يمثل أكثر من (90%) من جملة المسلمين ، وأن هؤلاء السلفيين لا يتجاوز عددهم (10%) من جملة المسلمين في السودان لأكثر إحصاء متفائل ، وعلي الرغم من قلتهم يحاولون بإستمرار فرض قناعاتهم علي كل المسلمين في السودان ، وبمساعدة أجهزة الدولة الحالية لأن هذا التصريح الخطير لابوذيد نقله التلفزيون السوداني علي مرأي ومسمع عدد كبير من مشاهديه : (فما رأي هؤلاء السلفيين في ، التسعة وتسعين قبه في أبو حراز ، وفي ضريح الحسن في كسلا ، وضريح الإمام المهدي ، وغيرها من المزارات والأضرحة الموجودة في السودان ؟؟) . وبنفس القدر نجد هذا الرفض في معسكر المتصوفة من خلال المقولة المشهورة (الماعندوا شيخ ، شيخوا الشيطان) ، ووفقاً لهذه القناعات وغيرها ، يتهدد السلام الإجتماعي . ورأينا في الحركة الشعبية هو : أن المشكلة ليست في كونك مسيحي أو مسلم صوفي أو مسلم سلفي ، لكن تكمن المشكلة في نهج التعامل حسب قناعات ومسؤليات كل المتدينين مع بعضهم البعض . لأن هذه المشكلة تجاوزتها المجتمعات الإنسانية المتطورة عبر تحديد العلاقة ( بين الدين / ومؤسسات المجتمع الأخري ) عن طريق إدراك تلك المجتمعات المتطورة لحقيقة أن: (وحدة الدين أو الطائفة أو المذهب) ، لا يمكن أن تتحقق وحدة المجتمع علي أساسها داخل أي مجتمع (بصرف النظر عن التعدد والتنوع فيه) ، ولا يمكن أن يحدث إستقرار فيها لفترة زمانية طويلة ، وإذا أخذنا مثال لذلك في الدين المسيحي في فترة من فترات التاريخ المسيحي في أوربا ، ظهرت مجموعة المعترضين داخل الدين المسيحي بقيادة (مارتن لوثر) ، ورفعت هذه المجموعة إعتراض علي الكنيسة الرومانية : (بأنها لا تتماشي مع الفهم المسيحي السليم) ، وحصروا نقاط إعتراضهم ووضعوها في كنيسة (جوتمبيرج) ، وتمت تسميت هذه المجموعة (بالبروتستانت) ، وهم تابعين للكنيسة (البروتستانتية) ، وهذه الكنيسة أيضاً إنقسمت علي نفسها لأحقاً لمجموعة كنائس وفقاً لتباين وإختلاف وجهات النظر داخل المجموعات المسيحية في رؤية كل مجموعة لتفصيلة محددة من تفصيلات الدين المسيحي ، وهذه الرؤية تمثل موقف إختلاف طائفي مع الآخر ونتيجةً لها تظهر كنيسة جديدة ويستمر الإختلاف وهكذا . ووفقاً لهذا السرد نجد أن الخلافات والصراعات الناجمة بسبب الإعتقاد الديني أو الطائفي لم تكن قاصرة علي الدين الإسلامي فحسب ، بل هي سمة مميزة لكل الديانات التبشيرية الي تاريخ اليوم . وبما أن الحضارة الإنسانية أوجدت حلولاً لمثل تلك الإشكالات والتي تتمثل في الإجابة عن سؤال (كيفية تحقيق التعايش السلمي في ظل التعدد الديني والمذهبي ؟) ، وذلك : من خلال حرية الفرد أو الجماعة في الإعتقاد فيما يشاؤون والحرية في التعبد بالشكل الذي لا يتعارض مع مصالح وحريات الأخرين ، لأن الأسس التي يقوم عليها الإجتماع البشري تختلف عن أسس الإعتقاد بالنسبة للمجموعات التي تشكل أي مجتمع من المجتمعات ، وتم حل تلك المشكلة بشكل نهائي وحاسم تعززه الحقوق الدستورية والقوانين واللوائح العامة ، بإعتبار أن الإعتقاد هو : (صفة طقوسية بالنسبة للأفراد ) وأن هؤلاء الأفراد يجمع بينهم مشروع تعايش سلمي ينبني علي خدمة المصالح المشتركة لبعضهم البعض بشكل متساوي ، ووضعوا قاعدة حضارية للتعامل هي : (تمتد حريتك الي حيث لا تتضرر حريات ومصالح الآخرين) . فلك الحرية في أن تأكل ما تشاء ،وتلبس كما تشاء، وأن تتصرف كما تشاء بشرط أن لا يتضرر أحد من ممارساتك وسلوكياتك الشخصية، وأن تعتقد فيما تشاء ولا يتم نقصان هذه الحرية إلا للمصلحة العامة التي تواثق عليها الجميع وتم تحديدها بالشكل الذي (فعلاً) يحقق الفائدة للجميع .
فلماذا نقف عاجزين عن إيجاد الحلول الشاملة والمتكاملة لمشكلة إدارة التنوع المعاصر في السودان ، بالرغم من وجود حلول موضوعية أنتجتها الإنسانية ؟ .

مهددات وحدة النسيج الإجتماعي في السودان :
موقفنا في الحركة الشعبية لتحرير السودان يقوم علي مفهوم مبسط هو أن الإنسان بطبعه روحاني ، ولدينا جميعاً معتقدات وإن إختلف شكلها ، سواءً كنا مسلمين أو مسيحيين أو نعتقد في كريم المعتقدات الأفريقية ، فهذه هي الروحانية . وبهذا لا يمكن حظر الأديان من أي مجتمع ، فهي جزء من التركيبة الإنسانية وبالتالي فإن القضية تتلخص في كيف يمكن أن نربط بين الدين وهياكل المجتمع الأخري .
نحن نقول أن الدين هو علاقة بين الإنسان وخالقه وأن هذه العلاقة تحكمها التشريعات الدينية . بينما العلاقة بين الإنسان والأشياء التي صنعها بأياديه (كالعربة والفندق والدولة،... الخ) مختلفة ، ذلك لأن الدولة مؤسسة إجتماعية سياسية خلقناها نحن لتقوم بخدمة مصالحنا المشتركة ، فالعلاقة إذن, بين أنفسنا وبين ما خلقناه (نحن)، تختلف عن العلاقة بيننا وبين الذي خلقنا وهو (الله) ، لأننا لم نري أبداً (دولة) ذهبت الي المسجد لأداء صلاة الجمعة مثلاً ، وكذلك لم نري أبداً (دولة) ذهبت الي الكنيسة لأداء الصلوات يوم الأحد ، لكن نحن الأفراد نذهب لاداء هذه الصلوات ، وعندما نموت ، ربنا لأ يسألنا عن دولتنا عملت شنو، بل (نحن عملنا شنو، كأفراد) . بهذه البساطة وضح الزعيم الراحل ، د. قرنق ، هذه العلاقة بين (الدين والدولة) لأن خلط هاتان العلاقتان الدين والدولة) ، يوقع الكثير من الناس في شرك الإستغلال والمتاجرة بواسطة التيارات الإسلامية التي أدركت منذ البداية أن خلط هذه العلاقات يمكنهم من تمرير مشاريع الإحتيال والخداع علي الشعب السوداني . فمنذ أن قرر الإستعمار الإنجليزي الخروج من السودان في سنة 1953م علي أن يمنح السودانيين الحكم الذاتي بموجب ذلك القرار، وعلي السودانيين أن يقوموا بوضع دستور يحكمون به أنفسهم ، ظهرت المطالبات التي تنادي بصوت عالي وجهور بأن السودان دولة إسلامية ولابد أن يحكمها دستور إسلامي مصدره الشريعة الإسلامية ، وكان هذا الصوت أعلي من الأصوات التي تنادي بدستور مدني ، والسبب يرجع لطبيعة (النخب) الموجوده في تلك الفتره وهي نخب (مؤتمر الخريجين) الذين تقاسمتهم الطائفتين (الأنصار / والختمية) لأن تلك النخب كان كل همها يتمثل في الحصول علي أكبر قدر من السلطة في الدولة الوليدة . فما كان منهم إلا مسايرة طرح الجماعات السلفية التي كانت في طورها الجنيني ، وهؤلاء الناس الذين يمثلون الطور الجنيني للتيار السلفي في السودان كانوا أكثر وعياً وإدراكاً بمصالحهم ومشروعهم ، وحريصين كل الحرص علي دفع هذا المشروع السلفي الي أقصاه ومنتهاه فما كان منهم إلا وأن قاموا بتوسيع دائرة خطابهم عبر المناداه في المساجد ومن خلال الصحف والبرلمان ، والمناداه من خلال كل الوسائل المتوفره ، بأن يكون الدستور السوداني دستوراً (إسلامياً) وأن يكون السودان دولة إسلامية بالرغم من وجود ثغرات ضخمة في هذا المشروع الذي لم يخرج من طور الهتافات والعموميات والتأثير العاطفي حتي الآن ، ولا يهتم بتفصيل الأشياء تفصيلاً دقيقاً ، وكما يقول المثل السوداني (البيلقي الهواء ، بيضري عيشو).
وهذا الأمر يتطلب منا مناقشة الجوانب الأساسية لمشروع الإسلام السياسي ، لأن وأحدة من الآليات والأدوات الأساسية التي تستخدمها الجماعات السلفية والجماعات الإسلاموية عموماً هي: أن قناعاتك بمرتكزات مشروع الإسلام السياسي ، تعني قبولك للدين الإسلامي ، ورفضك لها يعني رفضك للدين الإسلامي حتي ولو كنت مسلماً . لذلك من الضرورة بمكان الوقوف علي مرتكزات مشروع الإسلام السياسي أو جوانبه الأساسية بشئ من الدِقة المفهومية.

الجوانب الأساسية لمشروع الإسلام السياسي (مرتكزاته):

1- الدولة الإسلامية .
2- الشريعة الإسلامية .
3- إختيار الحاكم في الإسلام .

ونبدأ بشروحات توضح طبيعة هذه المرتكزات لمعرفة علاقتها بالإسلام أولاً ومن ثم علأقتها بالهوس الذي تمارسه جماعات الإسلام السياسي علي الدولة السودانية أخيراً.



أولاً / الدولة الإسلامية :
وقبل الخوض في هذه العلاقة المختلطة بين (الدولة) كمفهوم قائم بذاته من جانب ، وبين (الإسلام) كدين من جانب آخر ، كان لأبد من فصل الكلمتين عن بعضهما البعض.
1- الدولة : هي المؤسسات التي يقيمها أفراد المجتمع لخدمة مصالحهم المشتركة بغرض تحقيق الرفاهية الإجتماعية.
2- الإسلام : بمنطق الإسلام نفسه / هو : (الدين الحق العدل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) وأيضاً الإسلام بلغة أخري : (يمثل الله سبحانه وتعالي وأن جوهره عند الله ومظهره عند المسلمين) . وبما أن كلمة إسلام تعني مطلق الحق ومطلق العدل ، وتعني الله سبحانه وتعالي فعندما نقول دولة إسلامية فهذا يعني أنها (دولة ربانية) . لا يجوز في حقها الظلم ، ولا يجوز في حقها أكل أموال الناس بالباطل ، ولا يجوز في حقها إنتهاك حقوق الآخرين ، وبكل بساطة هذا معناه : (أنها دولة يتحقق فيها مطلق الحق ومطلق العدل) ، وليس حتي أكبر قدر من الحق والعدل ، بل مطلق الحق ومطلق العدل .
وبالتالي لابد من سؤال من خلال مطالعتنا للتراث الإسلامي : (هل هناك دولة إسلامية تحقق فيها مطلق العدل ومطلق الحق ؟) ، والإجابة عن هذا السؤال أنه لم تتوفر دولة بهذا المستوي طيلة التاريخ الإسلامي وحتي الآن، إلا: (دولة الرسول) . وإذا قلنا لماذا ؟ ببساطة شديده هذا يعني أن الشخص القائم علي أمر تلك الدولة (يوحي إليه) وبالتالي هو مربوط مباشرةً مع الله من خلال الوحي . وهذا يعني أن كل القرارات التي يتخذها قائد تلك الدولة تأتي بتوجيه مباشر من عند الله عبر الوحي ، فإذا كان هناك مشروع خلل بسيط أو تعدي علي حقوق الآخرين ، كان يتم تصحيحة مباشرةً من عند الله، ولا يتم تأجيله الي يوم القيامة ، والمشاهد علي ما نقوله كثيره .
مشهد أول :
حادثة الأعمي عبد الله بن أم مكتوم / هذه الحادثة وقعت عندما آتي هذا الأعمي ليتحدث مع رسول الله وأعرض عنه ، لأنه كان مشغول بالحديث مع وجهاء قريش ، فنزلت الآية : (عبس وتولي إن جاءه الأعمي ، ... الي آخر الآية) .
مشهد ثاني: وهو موقف إداري وعسكري / عندما أرسل الرسوا (ص) موفده لجمع ذكاة بني المصطلق ، فعندما سمع (بني المصطلق بموفد رسول الله إليهم لجمع ذكاتهم ، إصطفوا زرافاتاً ووحدانا لإستقباله خارج مضاربهم (إحتفاءاً به) ، فلما رآهم خاف منهم لأنه كانت هناك حادثه بينه وبينهم في الجاهلية ، فعاد هذا الموفود الذي أرسله (رسول الله) ونقل إلي الرسول بأن بني المصطلق: منعوا الذكاه وأرادوا (قتله) ، ونتيجةً لهذه الرواية الخاطئة أمر (رسول الله) بتوجيه حملة عسكرية لبني المصطلق بقيادة خالد بن الوليد ، وقبل أن تتحرك تلك الحملة العسكرية وتحصد أرواح بني المصطلق ، نزلت الآية : (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٍ بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا علي ما فعلتم نادمين ، ... الي آخر الآية) ، لتمنع حدوث مثل هذا التجني و التعدي والإفتئات علي حقوق الآخرين دون أدني سبب . ووفقاً لهذا المفهوم نؤكد أن دولة (الرسول) كانت دولة إسلامية ، وبعد وفاة الرسول ، إنقطعت العلافة ما بين الوحي (السماء) والأرض ، وأصبحت كل دول المسلمين بعد وفاة الرسول هي: (دول مسلمين) وليس دول إسلامية يتم حكمها عبر الوحي ، بل تحولت الي دول يقوم حكمها علي (الكتاب والسنة والقياس و الإجماع) ، فوقعت الخلافات وتفرق المسلمين الي مِلل ونِحل ، وإلي فِرق وطوائف وجماعات ، ولم يتوحدوا داخل فهم واحد للدولة الإسلامية الي هذه اللحظه التي نتناول فيها هذه العلاقة . فإذا كانت الدول التي أعقبت وفاة (الرسول) بأنها دول مسلمين ، هل يمكننا أن نسمي الدولة السودانية الحالية بأنها (دولة إسلامية ، ربانية) ؟؟ . ولمذيد من التفاصيل حول الدولة وأنواعها نقدم كتيبات أُخري تحمل شروحات مبسطة لمفهوم الدولة وأنماط الدول (حق إلهي / غلبة / وعقد إجتماعي) ، مصحوبة بآراء الفلاسفة والمفكرين (برودون ، ماركس ، دوركهايم ، المودودي ، وبروديو) ، وأيضاً نوضح آليات تركيز السلطة وآليات تركيز الثروة في الدولة السودانية وأسس التفاوتات الإجتماعية والإقتصادية والجهوية، كما نتناول الآيديولوجيا التي ترسخ هذه التفاوتات مع شرح واضح للفرق بين منظور الوحدة في التنوع الذي ننشدة ونعمل من أجل تحقيقه في الحركة الشعبية ، ومنظور المركزية المعروف ببوتقة الإنصهار علي أساس ثقافة المجموعات السائدة .
ثانياً: الشريعة الإسلامية:
في هذه الجزئية المتعلقة بالشريعة الإسلامية كجانب أساسي من جوانب مشاريع الإسلام السياسي ، نقوم بفصل الكلمتين بغرض إجلاء الحقائق وتوصيل المفهوم بشكل واضح.
الشريعة:
هي جملة القوانين المنظمة لحياة الأفراد. أما إسلامية فهي صفه لهذه الشريعة ، وبالتالي تصبح الشريعة الإسلامية هي : (جملة القوانين الربانية التي تنظم حياة الأفراد بغرض تحقيق مطلق الحق ومطلق العدل) بمعني أنها منسوبة الي الله الذي لا يجوز الظلم في حقه ، وهذا يعني أن أمر تنظيم شئؤن ذلك المجتمع الذي يحكم بهذه الشريعة هو صادر مباشرةً من عند الله ، وليس من أفراد قاصرين يتعاملون مع النصوص القرآنية بإنتهازية بالغة عن طريق إنتقاء نصوص بعينها لدعم مشاريعهم الخاصة ، ونكتشف ذلك من خلال (آيات حكم الشريعة في سورة المائدة) وهذه الآيات لم تذكرها جماعات الهوس الديني كاملة لأنها تتعارض مع مواقفهم المعلنة ومصالحهم وأطروحاتهم ويقصرونها كالأتي :
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون).
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون).
دون تحديد دقيق لما أنزله الله ، وكل هذه النصوص يتم إستخدامها وبشكل مبتور للغاية ، لدعم فكرة أن هناك جملة قوانين منسوبة الي الله تحكم المجتمع . وطالما أن هذه القوانين هي قوانين ربانية ، تحكم حياة الناس فلابد لنا من مراجعة كتاب الله بإعتباره هو (المرجعية الأساسية) لهذه القوانين ومن ثم نجاوب علي بعض الأسئلة التي سنطرحها لأحقاً .

الآيات الكاملة لحكم الشريعة كما جاءت في المصحف:
(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) الآية 44. (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الآية 45. (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) الآية 46. (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) الآية 47.
من خلال مطالعتنا لما جاء في كتاب الله كما توضح الآيات أعلاه أن: (في التورات هدي ونور ، ومن لم يحكم بهدي ونور التورات فألئك هم الكافرون/ وفي الإنجيل هدي ونور) ، ومن ثم : (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) ومن لم يكم بذلك فأولئك هم الفاسقون ، وهذه الآيات توضح بشكل قاطع أن الشرع الذي أنزله الله مختلف حيث نجد في الآية (44/و45) الشريعة الوارده في التورات (الوصايا العشر) ومن ثم كيفية الإنتقال الي الإنجيل في الآية (46) والشريعة التي أنزلها الله علي أهل الإنجيل في الآية (47) . ألم يكن هذا إشارة صريحة لتعدد الشرائع التي يعتبر جوهرها عند الله وإختلاف شكلها ومظهرها في حياة الناس ، وبوقوفنا الدقيق علي تفسير بن كثير بخصوص هذه الآيات المقرون بسبب نزولها في (سورة المائدة) ، لا نريد أن نخوض في مسائل فقهية ، لكن نريد أن نوضح حقيقة محدده هي : (إنتقاء وإختيار السلفيين لآيات بعينها ولجزئيات محددة من بعض الآيات) ، لدعم مواقفهم الخاصة في صراعهم ضد الجماعات الدينية والطائفية الآخري ، وتشويه المفاهيم الإنسانية التي أثبتت قدرتها في إدارة الأمم مثل (العلمانية / الديمقراطية / و حقوق الإنسان) بغرض ترسيخ سيطرتهم وتحقيق المكاسب والإمتيازات، عبر مصادرة وإنتهاك حقوق الآخرين من خلال الرجوع الي وضعيات تاريخية في القرن السابع الميلادي وقياس المجتمعات الراهنة بمعايير ذلك الماضي الذي لا يعبر عن تطور مفهوم الحقوق في الراهن.
ومن خلال وقوفنا علي القوانين الموجودة في كتاب الله ، نجد قوانين (الحدود) وأن تلك القوانين تعاملت مع وضعيات محدودة للغاية في السياق التاريخي الإجتماعي و (الثقافي) الذي تعاملت معه ، مثل : (الزنا ، والسرقة، والسُكر، والبغي ، و الحرابة ، والردة) . بالإضافة لقوانين المعاملات والتي بطبيعة الحال كانت أيضاً محدودة للغاية لأنها تعبر عن الأعراف البدوية السائدة في أيام الجاهلية وفترة بواكير الإسلام ، وإذا بحثنا في تلك المعاملات عن (حقوق الإنسان بالمفهوم السائد الآن ومضمن في دستور السودان القومي الإنتقالي لسنة 2005) في وثيقة الحقوق ،لا نجد ولا حق واحد من هذه الحقوق الواردة في الدستور في تلك المعاملات ، والسبب في ذلك يرجع لتطور مفهوم الحقوق الذي إنعكس علي الممارسة في كثير من المجتمعات المتطورة عُرِفت (بحقوق الإنسان) وهذه الحقوق الإنسانية تحولت الي مواثيق دولية ملزمة للجميع بما فيهم الدولة السلفية في السودان ، ومحمية بواسطة الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية العاملة في مجال حقوق الإنسان في كافة أنحاء العالم . وإذا توقفنا قليلاً علي (قوانين الحدود في الشريعة الإسلامية) نجد أنه كان هناك خلاف كبير حولها علي أمر تاريخ الفقه الإسلامي . لأن أي فقيه وأي عالم يستند لفهم مختلف من خلال قراءته لآية محدده وربطها بأخري لذلك كان الإختلاف كبير وواضح ومتسع في مسيرة الفقه الإسلامي ، من خلال الإنتاج الفقهي لأئمة الفقه الإسلامي طيلة تاريخه والي الآن ، وبالتالي لم يكن الصراع علي مستوي الوحي ، بل صراع علي مستوي عقول ومنطق وربط نقاط محددة داخل النص القرآني مع بعضها البعض ، وهذا يعني أن كل تلك الخلافات والتباينات في الآراء كانت في تفاصيل بشرية ناتجة من تفاوتات عقلية ومنطقية ، وليست مقدسة أو مسنودة الي الله ، وبالتالي تنتفي صفة القداسة عنها ولم يكن من تبعها هو مع الإسلام ومن خالفها فهو ضد الإسلام . وفي نهاية الأمر هي عبارة عن مناطق إختلاف بشري كحق مكفول لكل فرد أو جماعة ، أما تبعية وإختيار هذا الفهم أو ذاك ، فهو مسئولية شخصية / فردية ، ولا يوجد حق لأي شخص مهما كان ، أن ينسب نتاج عقله وفهمه للدين بأنه هو (كلام الله وقصده) إلا إذا أراد من خلال هذا الكلام أن (يضفي علي نفسه صفة القداسه، والشرعية المطلقة) . وهناك وقائع حية في السودان كمحاولات لتطبيق هذا الفهم الذي يضفي القداسة علي الأشخاص القاصرين وأهمها (جعفر نميري وشريعته) وما تلاه من أئمة وفقاً لهذا الفهم ، ونحصر محاولاتهم في قوانين ومشاريع قوانين العقوبات الجنائية، في الفترة من (1983م الـــــــــي 1991م) وهذه القوانين تمت تسميتها بقوانين إسلامية ، وهي :
1- قانون العقوبات الجنائية لسنة 1983م .
2- مشروع قانون العقوبات الجنائية لسنة 1988م والذي تم إسقاطه في البرلمان السوداني خلال مرحلة القراءة الثانية.
3- مشروع قانون العقوبات الجنائية لسنة 1991م .
ففي أقل من ثمانية سنوات كانت هناك ثلاثة قوانين إسلامية للعقوبات الجنائية تختلف عن بعضها البعض ، فهناك مواد في قانون سنة 1983م لم تكن موجودة في قانون 1988م و1991م . وبنفس القدر هناك مواد في قانون 1991م لم تكن موجودة في قانون 1983م و1988م ، وأبسط مثال لتلك المواد هي: (مادة الردة) ، التي غابت عن قوانين (1988 و1991) . وغياب هذه المادة يثير تساؤل لكل صاحب بصيرة عن ما هو المقصود من وجود هذه المادة في قانون العقوبات الجنائية لسنة 1983م ومن ثم غيابها من القوانين الجنائية اللاحقة ؟ إذن, ماذا نفهم من تغيير قوانين تنتمي الي الله سبحانه وتعالي وتمثله في خلال ثمانية سنوات ؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تخرج عن إحتمالين:
الإحتمال الأول:
هو أن هؤلاء الذين يصيغون تلك القوانين في فترة الثمانية سنوات المذكورة كان (يوحي إليهم / ينزل عليهم الوحي) ونتاج لأوامر السماء النازلة عبر الوحي يتغير القانون من 1983م الي 1988م ، ومن 1988م الي 1991م ، لأنه لو غابت مادة واحدة يصبح هذا تغيير بإعتبار أنها قوانين مقدسة وتمثل الله. وبما أنه ليس هناك (وحي) من بعد محمد (ص) . فإن هذا الإحتمال غير ممكن .
الإحتمال الثاني:
أن هذه التغييرات ناتجة من فعل البشر ، وبهذا المعني لا يمكن تسميتها قوانين ربانية أو إسلامية وتمثل الله . لأن الرأي الإلهي لا يمكن أن يخضع لإرادة البشر وتقلبات أفكارهم وتضارب مصالحهم السياسية ، والسؤال الذي يطرح نفسه : (لماذا كل هذا الإصرار علي أن تلك القوانين إسلامية مية المية وتمثل الدين الإسلامي وبالضرورة تمثل الله سبحانه وتعالي ؟؟) ، والإجابة عن هذا السؤال بسيطة : لأنه إذا إعترف أصحاب هذه المشاريع الإحتيالية ، وقالوا أنها تمثلهم هم ، وفهمهم هم ، وقناعاتهم هم ، وتركوا إمكانية التعامل معها علي أساس (المنطق والمعقول / والرفض أو القبول) ، فإن تلك المشاريع سوف تنهار وستفقد قوة الدفع الأساسية من خلال إعتمادها علي قاعدة كبيرة من المتدينين الذين يسهل تحريكهم بإسم الدين والعاطفة الدينية.
ثالثاً / إختيار الحاكم في الإسلام (المرتكز الأخير):
هذا المرتكز نترك تفصيله للإجتهاد بغرض التعلم وكشف الخدع والزيف الذي تمارسه الجماعات الإسلاموية الراهنة في السودان ، لكننا نؤكد بشكل واضح وصريح أن كل الرؤساء الذين حكموا السودان منذ إستقلاله والي الآن لم تنطبق فيهم شروط وأسس ومبادي إختيار الحاكم في الإسلام ، لماذا ؟ الإجابة متروكة للجميع كلٍ حسب فهمه وقناعاته . أما السؤال الجوهري في هذا الجانب هو : ما هي الشروط والمعايير الإسلامية التي جاء بموجبها الرئيس الحالي (المشير عمر حسن أحمد البشير) رئيساً للدولة الإسلامية في السودان حسب زعمهم )؟.
وفي ختام الجوانب الأساسية لمشروع الإسلام السياسي أو كما نسميه المشروع السلفي في السودان ، نؤكد للجميع أن كل هذه الصراعات التي تتزعمها تلك الجماعات هي صراعات وهميه الغرض منها صرف الناس عن قضاياهم الأساسية والعادلة بغرض تحقيق أهداف خاصة للسلفيين في السودان. فلابد أولاً من الفصل بين (الدين كمعتقد) وبين (مرتكزات مشروع الإسلام السياسي كأيديولوجيا / أو كفكرة بشرية للسيطرة) ، وثانياً التعامل مع تلك المشاريع علي أساس الرفض أو القبول دون أن يؤثر ذلك علي معتقد الفرد أو إسلامه.
ورؤيتنا في الحركة الشعبية تنطلق من حقائق الواقع التي أكدت وما زالت تؤكد : (أن أي مجتمع يقوم علي مكونات "مبتسرة/مختزله" لا يمكنه أن يصمد أو يعيش طويلاً ) هذا هو ما ينبأنا به تاريخ المجتمعات البشرية ، فالمجتمع المفتوح الذي يضم ويستوعب جميع مواطنيه هو القابل للحياة والنموء والقادر علي التكُيف بسهولة والقادر علي أن يستمد أسباب القوة لإستمراريته وبقائه ، فهناك أشياء صغيرة تفرق بيننا ، وتلك الأشياء ليس من الصعب أن نجد لها حلولاً ، ويمكننا أيضاً معالجة الأمور الكبيرة مثل (تحقيق المصالحة الوطنية / النموء الإقتصادي وزيادة الدخل القومي / تحقيق التنمية وصولاً الي الرفاهية ...) ، لأن موضوع العلاقة بين الدين والدولة أفضي الي شروخ كبيرة في نسيج المجتمع السوداني مما قاد الي تدهوره في جميع الأصعدة والمجالات ، ولا زالت الجبهة الإسلامية (عبر مشروعها السلفي وأتباعه) يصرون علي أن يكون للدولة دين ، ونحن نقول في ظل ما نتميز به من تنوع ، أن ذلك لا يجوز ، ولا يمكن أن يتوحد السودانيين علي ذلك النهج ، فليس كل السودانيين مسلمين ، وحتي بين المسلمين أنفسهم لا يوجد إتفاق حول نموذج (للشريعة الإسلامية) ونؤكد ذلك بنموذج الشريعة التي فرضها نميري عام 1983م ، وكيف يجوز (لشريعة نميري) أن تمثل بأي حال من الأحوال شيئاً مقدساً ، وإليكم هذا المثل كان في شري إسمه – أبو بت – والشري : هو صنف من أصناف النبيذ أو الخمور كما يسمونها في السودان ، حيث كانت الشركة المصنعة له تضع صورة بنت من جنوب السودان كماركة للزجاجة ، ويطلق عليه أبو بت فنميري يرقص وعندما يشتد الرقيص يقول – يلأ أديني (بِت) ولم يكن واضحاً : هل هو عاوز الشري ولا عاوز البت ، فيأتيه القوم بتلاتة قزازة شري ومعها تلاتة بنات وسيادته يعزل ما عاوزه) . هذا هو الرجل الذي أصدر قوانين الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983م بأوامر جمهورية وتحول الي إمام للمسلمين في السودان ! فهل يمكن أن تكون هذه شريعة حقيقية ؟ وهل يمكن لأي مسلم أن يكون فخوراً بها ؟ . إذن، لماذا نغرق أنفسنا في خلط المواضيع ونفرق بين شعبنا نتيجةً لذلك . فالجبهة الإسلامية السلفية تُصر علي أن تكون الشريعة والعرف مصدراً للتشريع ، ونحن في الحركة الشعبية نقول: (يجب أن يكون مصدر التشريع هو – الدستور – وليس الدين ، وأن يكون دستوراً ديمقراطياً يكفل حرية الأديان وحرية الإعتقاد بحيث نخصص فيه قسماً - للدين والعرف وسيشمل الدستور فصلاً عن الحقوق الأساسية والذي سيضمن حرية الأديان والعبادة، وبذلك يتوفر للكل ما يرغبون فيه وسوف يجد مثل هذا الدستور ترحيباً منا جميعاً إن كنا مسلمين أو مسيحيين أو نعتقد في الديانات الأفريقية) ونحقق وحدتنا في إطار التنوع الذي لا يُظلم فيه أحد.


إنحياز الدولة لطائفة إسلامية واحدة وأثرة في الصراع:
إذا رجعنا الي الخلاف بين السلفيين والمتصوفة في السودان نجد أن المشروع السلفي الذي ترعاه الدولة وتوفر له كل إمكانياتها الإعلامية من (صحف ،إزاعة ، وقنوات تلفزيونية تبث مادتها علي مدار اليوم ... الخ) وتقدم له الحماية الكافية عبر القوانين المقيدة للحريات والمنتهكة لحقوق الإنسان ، قد إنعكس سلباً علي الوجود الإجتماعي بكافة مكوناته وتحول الي قمع وقهر وإلغاء وإبعاد وفتنه بين المسلمين أنفسهم ،ويمكن الوقوف علي هذه الجزئية من خلال إعادة النظر في جهاز الدولة الذي يدعي الإسلام وقوانينه. والذي يكرس كل طاقاته في تمكين طائفه بعينها وإلغاء الآخر الطائفي في الدين الإسلامي نفسه ونبدأ كالاتي :ـــــ

قانون النظام العام :
إذا طرحنا سؤال بمنظور المذاهب الإسلامية (هل قانون النظام العام يمثل فهم وقناعات السلفيين والأصوليين للدين الإسلامي أم يمثل فهم وقناعات أكثر من نسبة 90% من المسلمين في السودان وهم المتصوفة ؟!) بكل بساطة الإجابة عن هذا السؤال تكمن في أن هذا القانون لا علاقة بينه وبين المزاهب الصوفية ولا بالفهم الصوفي للإسلام ، بل يمثل فهم وقناعات السلفيين والأصوليين للدين الإسلامي ، وهو (فهم حرفي / نصوصي ، إجرائي) لا يتعامل مع جوهر الدين الإسلامي ، ولا يوجد في هذا الفهم الدعوه الي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنه ، بل تقوم فيه الدعوة الي الله بواسطة الإرهاب حيث القتل والقهر وإزلال الآخرين .

جهاز الإعلام في الدولة السودانية :
ونكتفي بتلفزيون جمهورية السودان كنموزج ، فإذا حللنا المادة الإعلامية التي يبثها من خلال مضمونها لمعرفة ماهو المذهب الذي تمثله تلك المادة في الدين الإسلامي عبر البرامج التلفزيونية الدينية إبتداءاً من (المنتدي الفقهي ، وجه النهار ، قطوف ، ديوان الإفتاء ، وتزكره ) ومن ثم الإختيار الدقيق للخطب المنقولة علي الهواء مباشرةً في يوم الجمعة والتي يؤم الصلاة فيها سلفيين وأصوليين يعبرون عن المواقف السياسية للدولة السلفية في السودان . فهذا الجهاز الرسمي الذي يجب أن يمثل كل السودانيين بمختلف أديانهم وأعراقهم وثقافاتهم وأجناسهم (مسلمين / وغير مسلمين) نلاحظ بشكل واضح وجلي السيطرة علي كل برامجه الدينية وغيرها بواسطة مجموعات سلفية لا تتجاوز نسبتها (10%) من جملة مسلمي السودان .

مؤسسة التربية والتعليم :
إذا وقفنا بشكل تحليلي علي مضمون المادة الدراسية التي تقدمها المؤسسات التعليمية والتربوية في السودان ، إبتداءاً من السنة الأولي أساس الي السنه الأخيره من سنوات الجامعة ، نجد أن المادة الدينية التي تقدمها هذه المؤسسة تمثل الفهم السلفي والدعوة السلفية في الإسلام ، وبكل بساطة نكتشف هذا من خلال طرح سؤال بسيط تصعب الإجابه عنه علي أغلبية التلاميذ والطلاب الذين يعتلفون تلك المادة من المنهج السلفي ، والسؤال هو ( ماذا تعرف عن : الشيخ محي الدين / الشيخ الحلاج / الشيخ الجنيد / الشيخ عبد القادر الجيلاني / الشيخ أحمد التجاني ، والشيخ تاج الدين البخاري أو أي رمز آخر من رموز المتصوفة الذين نشروا الإسلام في السودان ؟) وعندها سوف تتأكد أنه تم إخراج كل ما يتعلق بالمذاهب الصوفية من المادة الإسلامية التي يدرسها الطلاب والتلاميذ في تلك المؤسسة والهدف من ذلك هو خدمة الخط (السلفي) وتسييس الإسلام وفقاً للنسخه والصورة السلفية الإرهابية .

الجامعات السودانية :
هناك جامعات تسمي جامعات قومية ويتم الإنفاق عليها من ميزانية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، وهذه الوزارة تستمد أموالها من كافة المواطنين السودانيين بصرف النظر عن إنتماءاتهم وقناعاتهم الدينية والمذهبية ، وهذه الوزارة التي تستمد ميزانيتها من عرق جبين كل السودانيين تقوم بتمويل جامعات مثل (جامعة القرآن الكريم وجامعات القرآن الكريم وكليات الدراسات الإسلامية المنتشرة في الجامعات الإقليمية) وبعد كل هذا تجد الأساتذة في هذه الجامعات والكورسات التي تقدمها هذه الجامعات والكليات تمثل بشكل واضح ومحدد المعالم هؤلاء السلفيين الذين يكرسون كل وقتهم لتوصيل الدعوة السلفية التي تمثلهم لوحدهم عبر هذه المؤسسات العامة التي يجب أن تمثل الجميع .
هذا القهر والإقصاء وإلغاء الآخر ، إمتد أكثر من تغييب الآخر المذهبي والأخر الديني من أجهزة الدولة والقوانين التي تحكم عملها ، الي محاصرة هؤلاء الآخرين في قناعاتهم ومعتقداتهم ، وأمثله لهذا الحصار كالدعوة من خلال مكبرات الصوت في الأسواق والاماكن العامة بأن (الكتاب المقدس / الإنجيل) تم تحريفة وبالتالي لا يجوز التعامل مع معتنقيه ونتيجة لذلك تتم تعبئة السودانيين ضد بعضهم البعض وخاصة في تبادل التحايا بمناسبة أعياد الميلاد المجيدة (سياسة التحريض وبث الكراهية بين أبناء الشعب السوداني) . وأيضاً من الأمثلة الحية لتلك المحاصرة ، الحملة الشعواء التي قادتها الصحف اليومية السودانية ضد "الشيخ النيل أبو قرون" في كتابه المسمي (أحبابي) ، لأن الحرس السلفي و الأصولي إشتم رائحة (المذهب الشيعي) في هذا الكتاب مما أدي الي صدور بيان بواسطة مجموعة من السلفيين الذين مهروا البيان بإسم ((بيان من علماء المسلمين)) يطالبون فيه " النيل أبوقرون " بالتراجع عن تلك الآراء الواردة في الكتاب بإعتبارها تمثل ( كفر بواح ، ومساس بعقائد المسلمين وإنكار لماهو معلوم من الدين بالضرورة وتجني صريح علي الدين الإسلامي)) ، ومن خلال المطالبة أظهروا تهديداً ( إذا تراجع هذا الشيخ عن تلك الآراء كان بها ، وإذا لم يتراجع ؟؟؟ ... سوف يرى!) وفي نفس الصحف وفي الصفحات الأولي منها أعلن ( النيل أبوقرون) ، تراجعه عن تلك الآراء الواردة في " كتاب أحبابي " ، لكن إذا سألنا بوضوح شديد من هو هذا المدعوا ( النيل أبوقرون) ، الذي تم تركيعه علي الملأ وعلي رؤوس الأشهاد ؟ نجد أنه أحد المهندسين الأساسيين لمشروع قانون العقوبات الجنائية لعام 1983م ، والذي تم بموجبه تكفير الأستاذ الأمين جداً ( محمود محمد طه) وتعليقه علي حبل المشنقة حتي الموت في 18/يناير 1985م ، ونفس تلك العملية حاول السلفيين تكرارها علي أبو قرون ، كما يقول المثل السوداني ( إرتداد السحر علي الساحر !) لكنه لم يمتلك الشجاعة الكافية التي تمكنه من التضحية دفاعاً عن آرائه كما فعل الأستاذ (محمود محمد طه).
وفي نشوة إنتصار هذه الجماعات السلفية حدثتهم أنفسهم بأن ينتقلوا الي مرحلةٍ جديدة ، هذه المرحلة الجديدة هي مهاجمة رموز التصوف في السودان ، حيث قاموا بتوزيع بيانات في المواصلات والجامعات وفي الأسواق يسألون فيها الجميع عن ( رأي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ) ، في ( المدائح النبوية للشيخ المرحوم : عبد الرحيم البرعي ) ورصدوا عدد كبير من الآيات والأحاديث التي يختلف مضمونها وجوهرها بشكل واضح عن تحليلات السلفيين لأدبيات الشيخ عبد الرحيم البرعي ، التي حاولوا فيها أن يقدحوا، ويشككوا في إيمانه. ومن خلال الطريقة التي جاءت بها البيانات تستطيع أن تستنتج بأن هؤلاء السلفيين هذه المره يدركون جيداً خطورة الخطوة ، لذلك لم يظهروا علي تلك البيانات أي إسم (بيانات غير معلومة الجهة التي أصدرتها) وتم تزيلها بإسم (طلاب علم) ، وهذا يعني أن الجهات الخفية التي صاغت تلك البيانات (متنصلة) عن ما ورد في محتوياتها.
هذه الوضعية التي وصفناها ووضحنا فيها محاولات الجماعات السلفية للسيطرة علي أجهزة الدولة السودانية وتكريس وتوطين منهج الفرقة والشتات في صميم المجتمع السوداني عبر إنتهاج سياسة (فرق تسد) بين مكوناته ، أكدنا ومازلنا نؤكد ، أن وحدة السودان في خطر في حالة تغلغل هذه الجماعات السلفية وسيطرتها علي جهاز الدولة بالكامل ، لأنها تضرب وحدة الشعب السوداني في مقتل ، لأن هذه الجماعات تعمل علي تدشين إنتصارها و إلغاء الآخر الطائفي داخل الدين الإسلامي كما وضحنا ذلك في (صراع المتصوفة مع هذه الجماعات السلفية) ، والقضاء علي الآخر الديني سواءاً كان ( معتنقي الدين المسيحي أو الديانات الأفريقية) . وعندما نقول أن هذه الوضعية في حالة خطر متصاعد نعني بذلك توطين المؤسسات السلفية الأحادية التي تنتهج نهج إلغاء الآخر والتعامل معه بالعنف والإرهاب ونؤكد ذلك من خلال مؤسسات الدولة الحالية (السودان القديم) في تقديم الدعم اللامحدود لتلك الجماعات في كافة أنحاء الحياة (السياسية ، الإقتصادية والإجتماعية) ومن خلال التزايد الخطير (للمساجد) في فسحات التهوية للاحياء والقري والميادين العامة في المدن الكبيرة (ميدان جامسكا الثورة بالوادي في أم درمان نموزج) والتي تنفق عليها الدولة مئات الملايين من الجنيهات ، وهنا يطرح سؤال محدد نفسه : هل هناك أزمة مساجد للتعبد في السودان ؟؟، والإجابة عن هذا السؤال هي (( لأ و ألف لآ )) ، لأن هذا المجتمع السوداني المسلم ، لم تكن لديه مشكلة (مساجد) في تعبده ، لأن هذا المجتمع بكل بساطة يمارس طقوسه الدينية ويرفع شعاراته التعبديه في كل مكان (أينما تولوا فسم وجه ربك) ، لكن ما نؤكده في هذه المساحة (أن تزايد هذه المساجد) التي تستهدف الأماكن العامة والأماكن التي تمثل معالم بارزة للمدن والأحياء ، الهدف منه هو : إيجاد مخابي لتلك الجماعات الإرهابية التي تستهدف التعايش السلمى بين مكونات الواقع السوداني المختلفة حتي يتمكنو من رصد الشباب النقي الناشئ ، حتي تتمكن تلك الجماعات السلفية ، التي يعرفها عامة الشعب السوداني بإسم (الوهابية) من إصطياد هذا الشباب وإعادة إنتاجه داخل فهم (الوهابية) وتحويل الشباب المعروف في كل المجتمعات بأنه الطاقات المدخرة لبناء المستقبل والعناصر المتعايشة والمتفاهمة والمتحابة مع الآخرين وتحويلهم الي أعداء لهذا النسيج الإجتماعي في السودان ، يمارسون الإرهاب الديني ضده ، ويحملون الحقد والكراهية علي الآخرين بإسم الدين الإسلامي ، وتحويلهم الي قنابل موقوتة قابلة للإنفجار تحت أي لحظه في وجه هذا المجتمع المتسامح (المجتمع السوداني) ونضرب مثال لهذا الخطر ألا وهو الجرائم التي إرتكبتها الجماعات السلفية (الوهابية) بإسم الدين الإسلامي ، ضد أبناء الشعب السوداني بإرتكاب جرائم لم يشهدها السودان من قبل إنتشار هذه الجماعات وسط المجتمع السوداني ، وتلك الجرائم هي : ( إقتيال المصلين داخل مسجد الجرافة (أم درمان الثورة) بواسطة السلفي الإرهابي (عباس الباقر) ، وإقتيال المصليين داخل مسجد الثورة الحارة الأولي ، وإقتيال المصلين داخل مسجد وقيع الله في (ود مدني) وهذه الجرائم كلها كانت تستهدف المصليين السلفيين أنفسهم داخل المساجد وهم من جماعة أنصار السنة المحمدية (الوهابية) داخل مساجدهم بواسطة (جماعة التكفير والهجره) ، وإذا سألنا : من هم جماعة التكفير والهجره ؟؟ ، بكل بساطة نجد أنهم مارقين من صلب الجماعات السلفية (الوهابية) وكما يقول المثل السوداني (طباخ السم بضوقو) ، لأن هؤلاء الناس بفعل المد السلفي في السودان ، تحولوا الي أصحاب عقول مقلقة داخل النص القرآني دون فهم لجوهره ،عقول شملها الهوس من كل صوب، وآذانٍ تغلقت بشمعٍ ثقيل، فأصبحوا بسيطين في فهمهم وتناولهم وقراءاتهم وتحديداتهم لما هو (إسلام) وما هو غير (الإسلام) حتي وصلوا مرحلة من التعصب والتشدد لدرجة أنهم أعلنو تمردهم علي (جماعة أنصار السنة) ، لأن رأيهم في المشروع السلفي هو: (كفر بواح ومروق عن الدين الإسلامي ولابد من الإبتداء بتصفيتهم من أجل أسلمة الشعب السوداني !!!)، وهذه هي نفس الآليات والوسائل التي يستخدمها السلفية في (تكفير الجماعات والطوائف الإسلامية الأخري في السودان) ، وعندما نقول أن هذه المشاريع السلفية في تزايد وفي تفاقم مستمر : نعني تماماً ، الدعم اللا محدود الذي يقدمه السودان القديم للجماعات السلفية من خلال تصالح مؤسساته بشكل كامل وشامل مع هذا المشروع السلفي (الإرهابي) في السودان ، وفتح الأبواب علي إتساعها بما في ذلك أبواب (الوزارات/ والبرلمانات السودانية) وبذلك أصبحت تلك الجماعات السلفية علي الرغم من قلتها : هي صاحبة القدح المعلي في أمر الشعب السوداني بمختلف أديانه وطوائفه ، والدليل علي ذلك هو عندما جاء " القس ، رينهارد بونكي " الي السودان لإقامة صلوات للمسيحيين السودانيين في الخرطوم في الساحة الخضراء سنة 2001م ، حيث قامت تلك الجماعات السلفية ولم تقعد ، وملأت شوارع الخرطوم بالملصقات الحائطية التي تندد (بالكافر الزنديق " رينهارد بونكي " ) الذي يجب علي الأمة الإسلامية منعه من أداء تلك الصلاه ، عبر النداءات الموجهة للوزراء ، لدرجة ألهبت مشاعر وأحاسيس السلفي الأصولي (عصام أحمد البشير) ، وزير الإرشاد الديني ، الذي قام بإصدار قرار يمنع تلك الصلاة ، ولم تتواني قوات الشرطة ولم تتأخر في تقديم خدماتها التي هي (مهاجمة الساحة الخضراء وضرب المسيحيين السودانيين ضرب غرائب الإبل في الصحراء) ومنع ذلك الطقس الروحي ، وفي ذلك اليوم رجع ما يقارب (35000) مواطن سوداني مسيحي وفي نفوسهم ((( ليس شئً من حتي ، بل كل حتي ))) وهم يحملون في نفوسهم كم كبير من الغِل والشعور بالمهانه والإمتهان للكرامة الإنسانية ، بما يؤكد تماماً أنه (لا يمكن العيش في هذا البلد ،،،، لأنه لا يمثلهم ولا يحترمهم) ، والنتيجه النهائية هي ( أن كل فرد تعرض لهذا الإستهتار هو قابل تماماً لأن يكون جزء من أي مشروع لفعل (عنف مضاد تجاه الدولة السودانية القديمة ) وهذه الجزئية تفسر فلسفة الثورات المشتعلة ضد المركز .

العلمانية السودانية :
هي مشروع حل جذري إنساني لمشكلة إدارة التنوع المعاصر في السودان و نظام حكم يساوي بين جميع السودانيين بمختلف ثقافاتهم / وإثنياتهم / وأديانهم / وأجناسهم، ولا يعطي مجموعة دينية محددة حقوق أكثر من باقي المجموعات الدينية الأخري ، سواءاً كانت (مسيحية أو إسلامية أو معتقدات أفريقية) ، لان أساس هذا النظام هو التساوي في الحقوق التي تكفلها الدولة لمواطنيها ، وتكون فيه المواطنه هي أساس للحقوق والواجبات داخل الدولة وليس الإنتماءات الدينية ، وهذا المفهوم أسست له إتفاقية السلام الشامل بشكل جيد ، وتم تضمينه في الدستور القومي الإنتقالي لسنة 2005م في (وثيقة الحقوق) التي تكون فيها حقوق المواطنه حقوقاً دستورية ملزمة للدولة ، ولا يجوز إنتهاكها . ووفقاً لهذا المفهوم للعلمانية السودانية التي ننشدها ونعمل بجد لتطبيقها في السودان ، نجد أنها ليست حوجة غير المسلمين فحسب ، بل هي حوجة ماسة وضرورية للمسلمين أنفسهم ، بغرض تحقيق التعايش السلمي بين الطوائف الإسلامية المختلفة وبينهم وبين الآخر الديني الذي يمثل الدين المسيحي وطوائفه المختلفة والمعتقدات الأفريقية المختلفة ، وهذا هو الطريق الصحيح الذي إذا إنتهجته الدولة السودانية تستطيع من خلاله أن تحمي المتدينين في السودان من المشاكل والصراعات التي يتسبب فيها الإعتقاد الديني والطائفي والمذهبي ، وفقاً لفهم وقناعات كل مجموعة . ووفقاً لهذه الشروحات نتمكن كسودانيين من بناء دولة المواطنة في السودان علي حقائق (التنوع المعاصر) والتي يكون فيها الدين للأفراد والجماعات التي تعتقد فيه ، وتكون الدولة للجميع ويصبح هدفها هو تحقيق العدالة والمساواة وحرية المعتقد وغيرها من القيم الإنسانية التي ينشدها الجميع من أجل النهوض بالمجتمع السوداني في كافة المجالات وتحقيق الرفاهية.
أين موقع السلفيين في السودان الجديد ؟ :
الإجابة عن هذا السؤال تقودنا الي أن نستدرك جذور المشكلة السودانية التي يمثل جوهرها الإلغاء والإستبعاد والظلم والتهميش ..الخ، وحتي نؤكد إمكانية تحقيق السودان الجديد علي أرض الواقع فلابد من أن يضمن الجميع وجودهم وتمثيلهم العادل فيه ووفقاً لهذا المفهوم تكون كل الجماعات السلفية هي (جزء أصيل لأ يتجزأ من المسلمين في السودان) ولهم الحق الديني المتساوي كما للجماعات الاخري ، وبهذا تصبح الحقوق الدينية متساوية لكل الديانات والطوائف والمذاهب المختلفة الموجوده في السودان . وكلهم لهم الحق في أن يدعوا الآخرين لمعتقداتهم وطوائفهم ومذاهبهم بالطرق السلمية القائمة علي المنطق والحوار والحجة والبرهان والإقناع والإقتناع عبر المؤسسات الدينية الخاصة بكل جماعة وبعيداً عن مؤسسات الدولة التي تمثل الجميع، وليس الإكراه والإرهاب الذي يتعارض مع الدستور القومي الإنتقالي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان .
وفي الختام تؤكد الحركة الشعبية لتحرير السودان أن هذا هو الطريق الذي تعتقد أنه الصحيح والذي إن إتبعناه يمكِِننا من بناء الأمة السودانية ، كما يقول الزعيم الراحل د. جون قرنق دي مبيور : ( الأمم تتكون نتيجة للتحركات التاريخية للبشر ، فالناس يتحركون وينتقلون لأسباب متعددة ، فهم يتحركون هرباً من الإضطهاد الديني ، أو حتي بدافع حب الإستطلاع لمعرفة ما يقع خلف التل أو المحيط . في نهاية الأمر يجدون أنفسهم في مساحة جغرافية بعينها يعيشون فيها ، فالحياة يجب أن تستمر ، تتفاعل هذه المجموعات البشرية المختلفة في المجال الإقتصادي ، في المجال الإجتماعي ، في المجال السياسي ، وفي المجال الروحي ، وبمرور الوقت تنشأ رابطة إجتماعية وسياسية بينهم لها خصوصيتها) وهذه الرابطة الإجتماعية والسياسية هي التي تسهم إسهام كبير في إبراز هويتهم ، وهذه الجزئية نتركها للحديث عن (الهوية) أما فيما يتعلق بالعلمانية فنكتفي بهذا القدر القليل الذي نأمل ونعمل في أن يقدم الفهم المراد توصيله ويسهم في تحقيق السلام الإجتماعي والإستقرار السياسي في السودان بأكمله .














المراجع/
1- د. جون قرنق ، رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية ، تحرير وتقديم د. الواثق كمير.
2- أ. أحمد ضو البيت ، رسالة صوتية تم تسجيلها في الخرطوم 2002م.







رد مع اقتباس
قديم 03-31-2009, 12:23 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
Senior Member
 
الصورة الرمزية Adam
 

 

 
افتراضي رد: العلمانية السودانية

نرحب ترحيب حار بي لوممبا وشكرا علي هذا الموضوع المهم







التوقيع

___________________________
توقيع Adam:
مهما هم تأخرو فأنهم يأتون
رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ازمة جبال النوبة وخلط الماء بالدم korto adocon ::منبر السودان الجديد:: 3 02-25-2012 04:24 AM
قراءة متأنية في العلمانية...والفكر العلماني Amin Bushari ::منبر السودان الجديد:: 11 12-14-2010 02:55 PM
العلمانية السودانية لوممبا ::منبر السودان الجديد:: 0 03-31-2009 12:04 PM
كلمة حركة العدل و المساواة السودانية في الجلسة الإفتتاحية لمباحثات الدوحة بين حكومة ا ناصر آدم ::منبر السودان الجديد:: 5 02-11-2009 04:15 PM
زعيم الكرة السودانية المريخ يقهر الهلال المحلي عمر عبد الله ::منبر السودان الجديد:: 1 12-04-2008 07:35 PM


الساعة الآن: 03:42 AM بتوقيت قرينتش

web traffic statistics
زوار المنبر بدءا من 20 -11-2008