هنا المقطع الذي اشرت فيه الى
البنية الفيدرالية لسلطنة دارفور
في مقالة منشورة من ارشيف
2004
"
مفهوم الدولة في التراث الافريقي ارتبطت بالجغرافيا
او الشعب , وهذه ظاهرة مشهودة فالممالك الافريقية
حتي الاسلامية ذات الارتباط الوثيق بالتراث
الشرقي لم تشذ كثيرا من هذه القاعدة.
مثل امبراطورية "غانة" و "مالي" و"سونجي والمملكة
التي تكونت من اتحاد كونفدرالي بين مجموعة من قبائل
افريقية في غرب افريقيا والتي سميت "مملكة كانم" التي
تحولت فيما بعد الي مملكة اسلامية علي يد ماي دوناما
ديباليمي Mai Dunama Dibbalemi (1221-1259)
وفي التاريخ السوداني قامت ممالك افريقية عريقة
ارتبطت اسمها بالشعب او الجغرافيا مثل "الكوش"
ومملكة "العلوة" و "سلطنة دارفور.
ففي سلطنة دارفور علي سبيل المثال كانت نسق العلاقة
التي تربط مركز السلطنة بالممالك التابعة لها علاقة
شبه فيدرالية حيث تتمتع تلك الممالك بشكل من اشكال الحكم ذاتي .
معظم الممالك الافريقية قامت علي مفهوم الدولة "الارض"
او الشعب" وليست الدولة "النظام الحاكم" او "الجزء" الذي يختزل "الكل".
كما سجلت التراث الافريقي انماط من الديمقراطية تجلت
في المقدرة علي محاسبة الحاكم "الجزء" من قبل الشعب
"الكل" مما يؤكد فرضية قيام الدولة بمعناها (state).
اذ كتب الزعيم الافريقي نلسون مانديلا في كتابه رحلتي
الطويلة نحو الحرية عن النمط الديمقراطي في محاسبة
سلطان الكوسا في اجتماعات مجلس اعيان السلطنة وهي
الشعب الذي ينتمي اليه مانديلا اذ قال :
" يوجه السلطان الدعوة لهذه الاجتماعات وتبدا الحياة
تدب في "المكان العظيم" بوصول الوفود القادمين للمشاركة
من جميع انحاء بلاد التيمبو. يتجمع الحاضرون في السّاحة
الواقعة امام بيت السلطان , فيفتتح السلطان الجلسة
بتوجيه الشكر للحاضرين فردا فردا ثم يشرح الاسباب
التي دعت الي عقد الاجتماع ثم يلتزم الصمت حتي يشارف
الاجتماع الي نهايته. في تلك الاثناء تتاح الفرصة لكل
من يرغب في الحديث ان يتكلم ويستمع الحاضرون لما
يقوله بدون مقاطعة او تمييز اللهم الا في مراعاة
ترتيب المتحدثين حسب مكانتهم في القبيلة.انه ديمقراطية
اصيلة تتيح التعبير للرئيس والمرؤوس, وللمحارب والطبيب,
وللتاجر والمزارع , وللمالك الارض والعامل سواء بسواء.
وكانت الاجتماعات تستمر ساعات طويلة وكان الاساس الذي
يقوم عليه ذلك النظام هو حرية الجميع في التعبير
عن آرائهم والمساواة بينهم كمواطنين .فيما عدا النساء
اللاتي كن ويالاسف يعتبرن مواطنين من الدرجة الثانية.(*)
ثم يقول:
" كم كان تدهشني في الايام الاولي الشدة والصراحة
التي يصل اليه الحاضرون في انتقادهم للسلطان. فلم
يكن السلطان قط فوق النقد بل انه غالبا ما يكون
الهدف الرئيسي له, ومهما بلغت خطورة التهم الموجهة
اليه كان ينصت لما يقال دون ان يهب للدفاع عن نفسه
او تظهر علي وجهه ملامح الانفعال , وعندما يقترب الاجتماع
من نهايته وتميل الشمس الي الغروب, يقوم السلطان ليتحدث
فيلخص ما قيل ويحاول التقريب بين ما طرح من آراء
مختلفة تمهيدا لبلورة راي يمكن ان يجمع عليه الحاضرون.
غير ان الاجتماع لا يفرض رايا معينا ان وجد من يعارضه
,واذا لم يتحقق الاتفاق يؤجل الامر الي اجتماع آخر
ويختتم المجلس بقصيدة تمدح امجاد الملوك القدامي
فيها مزيج من الشكر والهجاء للزعماء الاحياء فيهتز
المجلس بضحك الحاضرين وفي مقدمتهم السلطان نفسه"(*)
ثم يقول منديلا:
"لقد التزمت طوال حياتي بتلك المبادي التي كان
السلطان يتبعها في مجالس "المكان العظيم", فاحرص
دائما علي الاستماع الي ما يقوله كل من يشارك في
نقاش او اجتماع قبل ان اجازف بالتعبير عن راي الخاص
الذي لا يعدو في الغالب ان يكون تلخيصا لراي مشترك
من بين ما سمعته من آراء وافكار ولا زالت اذكرالحكمة
التي يرددها السلطان من ان القائد كالراعي يسير وراء
القطيع فيدع اكثرها رشاقة يتقدم وبقية القطيع تتبع
دون ان تدرك انها توجه من الخلف".(*)
اما في قبيلة الاشانتي في الافريقيا الغربية فقد ذكر
هرسكوفتش في كتابه اسس انثروبولوجيا الثقافية عن
ممارستهم لنوع من الطقوس تسمي طقوس الابو تؤكد قدرة
هذه القبائل علي محاسبة الحاكم علي طريقتها :
" ففي احتفالات الآبو، لا يسمح فقط، بل يجب، أن يسمع أصحاب
السلطة، السخرية واللوم واللعنات من رعاياهم بسبب
المظالم التي ارتكبوها. ويعتقد رجال الآشانتي أنّ في
هذا ضمانة لكي لا تتعذّب أرواح الحكام بسبب كبت استياء
الغاضبين. ولولا ذلك، لأفضى تراكم الاستياء وتعاظم قوّته،
إلى إضعاف سلطة الحكام، بل وإلى قتلهم. ولا تتطلّب
فعالية هذه الآلية (الفرويدية الجوهر) في التنفيس عن
الكبت أي إيضاح. فهي تلقي ضوءاً أكبر على ما تقوم به
من أشكال السلوك المنظّمة في نظم اجتماعية، من تصحيح
لاختلال التوازن في نمو شخصيات الأفراد الذين تشملهم".
ما بين المفهوم الافريقي للدولة والتي تجب ان تكون
وعاءا جامعا للكل المجتمعي ومستودعا ومتنفسا للثقافات
كلها من خلال خلق نسق وظيفوي فعّال , وبين المفهوم الشرقي
الذي يستميت الي اقصي درجة ممكنة من اجل اختزال الدولة
داخل "ساحة" او "ثقافة" او "جماعة" ما دون دون الفضاء
الكلي او الثقافات او الجماعات الاخري يبقي مآلات الصراع
المسمّي المركز – الهامش مفتوحا في كل الاتجاهات ولكل الاحتمالات"
اقرأ النص كاملا هنا من الارشيف
مفهوم الدولة في الخطاب الرئاسي السوداني
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bi...100103002&rn=1